كي تكون أغنى الناس

بقلم: نادية إبراهيم نوري
مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وانتشارها بشكل ملحوظ، انحدرت الأخلاقيات والثوابت الدينية، وطفَت على سطح مجتمعاتنا ظاهرة تتبّع أخبار الغير، ومن ثم تنامت آفات الغيرة والحسد والمقارنة.
والمحزن أن الأغلبية، خاصةً في فئة محدودي الدين والثقافة والعلم، أصبحوا يقلّدون الآخرين ويحكمون عليهم من خلال ما يرونه على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، حتى تفشّت تصرفات بعيدة كل البعد عن مجتمعاتنا وتقاليدنا وما تربّينا عليه. ونسينا ما تعلّمناه من قيم ومبادئ، مثل: «أحبَّ لأخيك ما تحبُّ لنفسك»، و«القناعة كنز لا يفنى»، وغيرها من الأمثال السامية.
بل تفشّت ظاهرة التقليد الأعمى، وأصبح كل واحد يتمنى أن يحظى بالمكانة التي وصل إليها جاره أو زميله، وبدأ السواد ينتشر في القلوب النقية، وانعكس ذلك على صفاء العلاقات الاجتماعية. وصار كل واحد ساخطًا على حاله، ويتمنى أن ينال ما في يد غيره، وهو يجهل حقيقة حياة الآخرين ومعاناتهم، إذ يحكم عليهم من الظاهر فقط.
هنا تذكّرت قصة رمزية بعنوان «حقيبة الهموم»، تحمل في مضمونها حكمة عميقة عن القناعة وعدم الانشغال بمقارنة حياتنا بحياة الآخرين.
عندما تذمّر الناس واشتَكوا من كثرة مشاكلهم وهمومهم، أصدر الحاكم قرارًا بأن يحمل كل مواطن همومه ويضعها في حقيبة، ثم يأتي بها إلى الساحة العامة ليقايضها بأي حقيبة يختارها.
وهكذا، وضع كل واحد همومه في حقيبته، وجاء في اليوم الموعود ليأخذ حقيبة تحتوي على هموم ومشاكل أخف من همومه. وبدأ الجميع يعلّقون حقائبهم، ويبحثون في حقائب الآخرين، ليكتشف كل واحد منهم أن همومه ومشاكله أهون من هموم ومشاكل الآخرين. عندها، تسلّل كل واحد متخفّيًا وعاد أدراجه حاملًا حقيبته.
والحكمة من هذه القصة أن الإنسان، ما دام ينظر إلى ظاهر الأمور، فلن يكتشف الحقيقة كاملة. فقد ترى غنيًّا يمتلك أجمل الممتلكات المادية، لكنك لا تدري حقيقة حياته؛ فربما يعاني مرضًا لا يخفّف ألمه كل ما يملك من مال، أو ربما ابتلاه الله بالعقم، وعجز الأطباء عن تحقيق أمنيته في أن يكون له أبناء، أو ربما لم يجد الحب الصادق لشخصه.
وعندما نرى شخصية ناجحة في المجتمع، تعتلي أعلى المراتب العلمية والاجتماعية، فإننا لا نعلم حجم المشكلات التي تعانيها في عملها أو أسرتها أو صحتها. نحن نرى جانبًا واحدًا من حقيقتها؛ نرى ما تريد أن توصله إلينا، أما الجانب المظلم من قصتها فتخفيه وتحتفظ به لنفسها.
لذلك، نصيحتي إليك، عزيزي القارئ، ألّا تنظر إلى من تظن أنه أفضل منك؛ فربما منحك الله ما يتمناه غيرك ولم ينله. علينا جميعًا أن نكون عبادًا شاكرين، قانعين بما أعطانا الله، وأن نسعى جاهدين إلى تطوير ذواتنا وتحسين أوضاعنا، وأن يقارن كلٌّ منا نفسه بنفسه، ليطوّرها ويرتقي بمكانته.
كما ينبغي أن نجتهد في تقديم الخير للآخرين كي ننال الخير كله، كما قال سبحانه وتعالى:
﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
سورة آل عمران، الآية 92.
فكن على يقين بأن لكل واحد منا موهبة وصفات معينة اختصّه الله بها دون سواه، فلا داعي لأن ننظر إلى نعم الآخرين ونقلّدهم، كما فعل الغراب في القصة الرمزية الشهيرة عندما قلّد البلبل في غنائه، مما جعل الناس ترميه بالحجارة لإسكاته؛ فشتّان بين جمال صوت البلبل الذي يتمتع الناس بسماعه، وصوت الغراب الذي قد يسبّب للبعض النفور وربما التشاؤم.
ومع ذلك، جعل الله سبحانه وتعالى في الغراب حكمة، ويكفيه أنه علّم الإنسان الدفن، كما جاء في القرآن الكريم.
فعلى كل واحد منا أن يبحث عن شغفه، ويكتشف مواهبه، ويطوّر نفسه، ويختار لنفسه طريق البناء لا الهدم؛ طريقًا ينفع به نفسه، ويكون فخرًا لأسرته ومحبيه، ويسهم في بناء مجتمعه ووطنه.
وصدق رسولنا الكريم ﷺ حين قال:
«ارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس».




