من مجزرة الكنيسة إلى استشهاد السلايطة.. هل يواجه الأردن عودة الإرهاب من بوابة التطرف المنفرد ؟

د. مهدي مبارك عبد الله

 

لم يكن الأردن قد استوعب بعد الصدمة التي أحدثتها مجزرة كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك والتي أودت بحياة تسعة مواطنين وأصابت عشرات آخرين ابرياء خلال مراسم تشييع أحدى السيدات حتى جاء استشهاد العريف جواد علي خلف السلايطة بشارع المدينة المنورة في قلب العاصمة عمان حيث باغته المجرم الارهابي اثناء عمله في نوبة الحراسة امام مبنى السفارة السيريلانكية لتعيد هذه الجريمة النكراء وضع ملف الإرهاب والتطرف أمام الأردنيين بصورة أكثر إيلاماً وخطورة خاصة وانه في غضون فترة زمنية قصيرة يجد الأردنيون أنفسهم أمام جريمتين داميتين استهدفتا حق الإنسان في الحياة والأمان وطالت إحداهما مواطنين داخل مكان للعبادة وطالت الأخرى رجلاً من رجال الأمن الذين نذروا أنفسهم لحماية المجتمع وبين الجريمتين لا يجوز الاكتفاء بتكرار عبارات الإدانة والتعزية لأن السؤال الأكثر إلحاحاً لم يعد كيف وقعت الجريمة بل كيف نمنع الجريمة التالية ومن أين يأتي هذا الفكر اللعين الذي ما زال قادراً على تحويل بعض العقول إلى أدوات للقتل والترويع .

 

إن استشهاد العريف السلايطة وهو في مقتبل العمر ومن مواليد عام 2007 لا يمثل خسارة لعائلته وعشيرته وزملائه فحسب بل يقرع جرس إنذار يستحق أن تتوقف أمامه مؤسسات الدولة والمجتمع بكل مسؤولية فالرجل الذي خرج إلى عمله لأداء واجب اعتيادي في حماية المواطنين لم يكن يتوقع أن تتحول لحظات عمله إلى مواجهة مع شخص يحمل سلاحاً أبيض وفكراً يبيح الاعتداء على الآخرين والأكثر خطورة أن التحقيقات الأولية أشارت إلى أن المعتدي كان ينوي ويخطط لاستهداف غيره من رجال الأمن العام مما يعني أننا لسنا أمام مشاجرة عابرة أو انفجار غضب فردي بل في مواجهة فعل ذي خلفية إرهابية يستوجب كشف دوافعه وامتداداته والبيئة الفكرية التي أنتجته.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو لماذا باتت تتوالى هذه الجرائم في هذا التوقيت تحديداً وهل نحن أمام مصادفة زمنية مؤلمة أم أمام مؤشرات على عودة نشاط الأفكار المتطرفة ومحاولتها اختبار المناعة الأمنية والاجتماعية الأردنية والثابت انه لا يجوز القفز إلى استنتاج وجود ارتباط تنظيمي بين مجزرة الكنيسة والاعتداء على رجل الأمن قبل أن تكشف التحقيقات ذلك ولا يصح اختراع روابط لا تسندها الأدلة لكن تقارب الحادثتين وخطورتهما يفرضان قراءة استراتيجية تتجاوز كل واقعة على حدة وتبحث في مصادر التهديد وآليات انتقال التطرف من مرحلة الاعتقاد والتحريض إلى مرحلة التنفيذ واستهداف المجتمع ومؤسسات الدولة.

 

الملاحظ ان الامر الأكثر إثارة للقلق ما يتردد بشأن أن منفذ الاعتداء كان قد خرج من السجن يوم الاثنين الماضي أي قبل ثلاثة أيام فقط من ارتكابه جريمته بعد ان ادين في عام 2022 وحكم بالأشغال المؤقتة لمدة تسع سنوات من قبل محكمة امن الدولة بجرائم ارهاب منها المؤامرة بقصد القيام بأعمال ارهابية تمثلت ف محاولة استهداف مركز امني في محافظة اربد  وإذا ثبتت هذه المعلومة فإنها تفتح ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بجدوى برامج التأهيل ومراجعة الأفكار المتطرفة وتقييم الخطورة الفردية قبل الإفراج وبعده لان العقوبة القانونية مهما بلغت شدتها لا تعني بالضرورة أن صاحب الفكر التكفيري قد تخلى عن قناعاته أو تراجع عن استعداده للعنف وان السجن الذي لا يصاحبه برنامج جاد لتفكيك التطرف وإعادة بناء الوعي قد يتحول في بعض الحالات إلى محطة مؤقتة لا إلى نهاية لمسار العنف المتصاعد ومن هنا فإن المطلوب ليس التشكيك في المؤسسات أو استباق التحقيقات بل مراجعة كل الثغرات المحتملة ومعرفة ما إذا كانت إجراءات المتابعة والتقييم قد أدت دورها المطلوب أم أن هناك خللاً يستوجب المعالجة والمساءلة العاجلة .

 

عمليا لا يمكن فهم خطورة اللحظة الأردنية بعيداً عن التحولات الإقليمية المحيطة بنا خصوصا وان المنطقة تعيش حالة من الاستقطاب والحروب والانقسامات وتراجع الثقة بالمؤسسات وانتشار المنصات التي تتغذى على خطاب الكراهية والتكفير وتعيد إنتاج أدبيات التنظيمات الإرهابية بأسماء وأساليب مختلفة وهذه البيئة توفر للتطرف فرصاً للتسلل إلى عقول الشباب مستغلاً الغضب والإحباط والجهل الديني والسياسي ومقدماً القتل باعتباره بطولة زائفة والدولة باعتبارها عدواً والمجتمع المختلف معه باعتباره هدفاً مشروعاً وهنا تكمن خطورة الإرهاب المعاصر الذي لم يعد يحتاج بالضرورة إلى معسكرات معلنة أو قيادة مركزية ظاهرة بقدر ما يستطيع أحياناً استثمار لغة التحريض والتعبئة الفردية وتحويلها إلى اعتداء دموي في الشارع أو مكان العبادة.

 

إن مجزرة كنيسة حمود البشعة كشفت أن الإرهاب لا يتوقف عند استهداف طائفة أو جماعة بعينها بل يسعى إلى ضرب فكرة الدولة الوطنية من أساسها والأردن لم يكن يوماً مجرد جغرافيا تجمع سكاناً مختلفين بل تجربة اجتماعية وتاريخية قامت على التعايش والشراكة الوطنية وتكامل المنابت والأصول وان استهداف مواطنين آمنين أثناء تشييع فقيدتهم هو محاولة لضرب هذه المعادلة وإشعال الخوف والشك بين أبناء المجتمع الواحد كما أن استهداف رجل أمن أثناء تأدية واجبه الرسمي يحمل رسالة أشد خطورة تتمثل في محاولة إخافة حماة القانون والناس وإرباك المؤسسة التي تشكل إحدى ركائز الامن والاستقرار ومن الخطأ أن ننظر إلى الجريمتين باعتبارهما استهدافاً لفئات منفصلة لأن الاعتداء على أي مواطن بسبب دينه أو هويته أو وظيفته هو اعتداء على حق الأردنيين جميعاً في وطن آمن ومتساو.

 

مع كامل الاعتزاز والفخر بيقظة أجهزتنا الأمنية وتضحيات منتسبيها الاشاوس فإن المرحلة تستدعي الانتقال من التعامل مع التهديد بعد وقوعه إلى توسيع دائرة الوقاية والاستباق وهذا الامر يتطلب تطوير قدرات الرصد الاستخباري ومتابعة التحولات السلوكية والفكرية الخطرة ضمن الأطر القانونية وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية والقضائية والفكرية والاجتماعية كما يحتاج ايضا الى مراجعة برامج التعامل مع المحكومين بقضايا التطرف قبل الإفراج عنهم وبعده وإخضاع الحالات عالية الخطورة لتقييم متخصص ومستمر وفق القانون ولا يقل عن ذلك أهمية بناء قاعدة معلومات دقيقة حول شبكات التحريض والتجنيد والتمويل والتواصل التي قد تسهم في إعادة إنتاج التطرف مع ضمان عدم تحويل الاشتباه إلى إدانة أو المساس بحقوق المواطنين.

 

الحقيقة المؤكدة ان مواجهة الارهاب الأمنية وحدها لن تنهي المشكلة إذا بقيت المنابع الفكرية والاجتماعية التي تغذي التطرف خارج دائرة المعالجة ولهذا فأن الأسرة مطالبة بالانتباه إلى التحولات الخطرة في سلوك الأبناء ومصادر تلقيهم للأفكار والمدرسة والجامعة مطالبتان بتعزيز التفكير النقدي والثقافة الوطنية والمؤسسات الدينية مطالبة بتقديم خطاب واضح يواجه التكفير ويمنع توظيف النصوص الدينية لتبرير سفك الدماء والإعلام كذلك مطالب بالتصدي للدعاية المتطرفة دون نشر خطاب الكراهية أو إثارة الهلع كما أن على مؤسسات الدولة أن تفتح مساحات حقيقية للحوار والمشاركة والعدالة وتكافؤ الفرص لأن تحصين المجتمع لا يتحقق بالردع وحده بل ببناء الثقة والانتماء والشعور بالمسؤولية المشتركة بين جميع ابنائه.

 

لعل أخطر ما يمكن أن نفعله في مواجهة هذه الجرائم هو أن نسمح لها بأن تدفعنا إلى الخوف من بعضنا أو التشكيك في مكونات مجتمعنا أو الخلط بين الدين والتطرف وبين الاختلاف والإرهاب وما يجب فهمه جيدا ان هؤلاء الذين يستهدفون دور العبادة ورجال الأمن والمواطنين لا يمثلون ديناً ولا مجتمعاً ولا عشيرة ولا منطقة وإنما يمثلون فكراً إقصائياً عنيفاً يجب أن يواجه بالقانون والوعي والحزم دون تمييز أو انتقائية كما أن حماية النسيج الوطني ليست شعاراً للاستهلاك السياسي بل شرط أساسي لإفشال أي محاولة لجر الأردن إلى صراعات مذهبية أو دينية أو اجتماعية لا تخدم إلا قوى الفوضى والتطرف.

 

إن دم الشهيد العريف جواد السلايطة لا ينبغي أن يتحول إلى رقم جديد في سجل الحوادث المؤلمة ولا أن تنتهي قضية مجزرة الكنيسة عند حدود المحاكمات والعقوبات مهما كانت ضرورية وقاسية فالوفاء الحقيقي للشهداء والضحايا يبدأ باستخلاص الدروس ومحاسبة كل من يثبت تقصيره وضرورة سد الثغرات وتحويل الألم الوطني إلى مراجعة جادة وسياسة وقائية مستدامة لان الأردن اليوم اصبح أمام اختبار دقيق لا يتعلق بقدرته على اعتقال منفذ جريمة أو تفكيك خلية فحسب بل بقدرته على منع ولادة جريمة أخرى من رحم الفكر المتشدد نفسه ولا نريد ان ننتظر الطعنة التالية لا قدر الله لنطرح الأسئلة ذاتها ولا بد ان نمتلك شجاعة المراجعة والاستباق قبل أن يدفع مواطن آخر حياته ثمناً لتطرف لم ننجح في اقتلاع جذوره من الاساس .

 

رحم الله شهيد الواجب العريف جواد السلايطة ورحم ضحايا مجزرة الكنيسة وشفى المصابين وحمى الأردن قيادة وشعباً وأرضاً وليكن واضحاً اكثر أن أمن الأردن ليس مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها بل مسؤولية وطنية جامعة وأن مواجهة الإرهاب لا تبدأ عندما يرفع الإرهابي سلاحه بل تبدأ عندما يحاول أن يزرع في عقل إنسان واحد أن دم إنسان آخر اصبح مباح.

 

ختاما : الرسالة الأهم التي ينبغي أن تخرج من هذه اللحظة أن الأردن ليس ساحة مستباحة ولا مجتمعاً قابلاً للكسر أو الانجرار إلى الفتن التي يريدها المتطرفون. فقوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على إحباط الاعتداءات بل أيضاً بقدرتها على حماية وحدتها الوطنية وصون كرامة مواطنيها ومنع تحويل الاختلاف إلى عداوة والاعتقاد إلى سلاح. إن الأردن الذي اجتاز عواصف إقليمية أشد قسوة يستحق أن تكون دماء أبنائه مناسبة لتجديد العهد بأن تبقى حياته الوطنية أكبر من كل مشاريع الظلام وأقوى من كل محاولات العبث بمستقبله.

 

كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
[email protected]

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى