الحقيقة الصادمة وثائق استخباراتية أميركية تكشف أسرارًا جديدة عن منشأ فيروس كورونا

د . مهدي مبارك عبد الله

بعد أكثر من ست سنوات على الزلزال الصحي الأكبر في القرن الحادي والعشرين يعود ملف منشأ فيروس كورونا إلى واجهة الأحداث الدولية من جديد لنعرف ماذا جرى خلف الأبواب المغلقة ولكن هذه المرة ليس عبر تسريبات إعلامية أو تحليلات أكاديمية متضاربة بل من خلال وثائق استخباراتية أميركية رُفعت عنها السرية وأعادت فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في التاريخ المعاصر وهو السؤال الذي هز العالم منذ نهاية عام 2019 ولم يجد جوابًا حاسمًا حتى اليوم من أين جاء فيروس كورونا حقًا .

الوثائق الجديدة التي كشفتها المديرة السابقة للاستخبارات الوطنية الأميركية تولسي غابارد لا تقدم دليلاً قاطعًا ينهي الجدل لكنها تفتح أبوابًا واسعة أمام عدة أسئلة ظلت لسنوات محاصرة بين الحسابات السياسية والاعتبارات الدبلوماسية والصراعات الجيوسياسية الكبرى حيث تكشف في الوقت نفسه أن ما جرى خلال السنوات الأولى للجائحة لم يكن مجرد نقاش علمي حول أصل فيروس مجهول بل كان معركة نفوذ ومعلومات وضغوط وتنافس بين مؤسسات الدولة العميقة والأجهزة الاستخباراتية ومراكز القرار السياسي والعلمي داخل الولايات المتحدة وخارجها .

أخطر ما كشفته الوثائق لا يتعلق بالفيروس نفسه بقدر ما يتعلق بالطريقة التي أُدير بها البحث عن الحقيقة إذ تشير المستندات إلى وجود تواصل مستمر بين مسؤولين وخبراء وجهات استخباراتية بهدف التأثير في تقييمات منشأ الفيروس وترجيح فرضية على أخرى في وقت كان العالم كله يبحث عن إجابة واضحة وحاسمة وإذا صحت هذه المعطيات فإن القضية لم تعد تتعلق فقط بمختبر ووهان أو بسوق الحيوانات في الصين بل أصبحت تتمحور حول مدى استقلالية المؤسسات العلمية وقدرتها على مقاومة الضغوط السياسية عندما تتقاطع الحقائق العلمية مع المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى .

الوثائق الجديدة تضع اسم الطبيب الأميركي الشهير أنتوني فاوتشي مجددًا في قلب العاصفة بعدما تضمنت اتهامات له بالموافقة على تمويل أبحاث مرتبطة بتطوير خصائص بعض الفيروسات في معهد ووهان الصيني وهي الأبحاث المعروفة باسم أبحاث اكتساب الوظيفة التي تهدف إلى دراسة كيفية زيادة قدرة الفيروسات على الانتقال أو التكيف لأغراض علمية وأمنية وطبية ويكمن جوهر الجدل في أن هذه الأبحاث ظلت لسنوات موضع خلاف عالمي بسبب المخاطر المحتملة المرتبطة بها وإمكانية تحولها من أدوات علمية إلى مصادر تهديد بيولوجي إذا خرجت عن السيطرة .

الحقائق المعلنة ذهب أبعد من ذلك عندما تحدثت عن تناقضات بين إفادات الدكتور فاوتشي العلنية أمام الكونغرس وبين اجتماعات واتصالات جرت مع مسؤولين استخباراتيين بشأن منشأ الفيروس وهي اتهامات دفعت شخصيات سياسية أميركية بارزة للمطالبة بإعادة فتح التحقيقات ومراجعة كثير من الوقائع التي اعتُبرت سابقًا قضايا محسومة أو غير قابلة للنقاش وعلى الرغم من أن فاوتشي نفى مرارًا جميع هذه الاتهامات وأكد أن القضية تعرضت لتسييس واسع فإن نشر الوثائق مؤخرا أعاد إشعال الجدل حول حدود المسؤولية السياسية والعلمية في واحدة من أكثر الأزمات البشرية كارثية في العصر الحديث .

لعل من بين أكثر ما يثير الانتباه في هذه الوثائق الإشارة إلى أن أجهزة الاستخبارات الأميركية كانت تمتلك معلومات عن إصابة عدد من العاملين في معهد ووهان بأعراض مرضية قبل عدة أسابيع من الإعلان الرسمي عن تفشي الفيروس عالميًا وهي معلومة حساسة ظلت لاعوام طويلة تشكل أحد أهم عناصر فرضية التسرب المخبري ورغم أن هذه المعطيات لا تثبت وحدها أن المختبر كان مصدر الوباء الا إنها تعزز الشكوك التي دفعت عددًا من المؤسسات الأميركية بما فيها وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الطاقة إلى اعتبار فرضية التسرب المختبري احتمالًا يستحق البحث والدراسة الجدية .

المفارقة الكبرى في الموضوع أن الوثائق نفسها لم تمنح أي انتصار نهائي لأنصار فرضية المختبر كونها لا تحتوي على دليل قطعي ومباشر يثبت أن الفيروس خرج من منشأة بحثية كما انها لا تقدم وثائق تقنية أو علمية تؤكد حدوث تسرب فعلي وهو ما يجعل القضية أكثر تعقيدًا من مجرد صراع بين روايتين متناقضتين وحتى الآن ما زال العالم يقف أمام احتمالين كبيرين الأول أن الفيروس انتقل طبيعيًا من الحيوانات إلى البشر والثاني أنه تسرب من منشأة بحثية كانت تدرس فيروسات مشابهة وكلا الاحتمالين لم يحسم بصورة نهائية .

اللافت في التفاصيل أن الجدل لم يعد مقتصرًا على الصين والولايات المتحدة فقط بل امتد إلى نقاش أوسع يتعلق بطبيعة الأبحاث البيولوجية المتقدمة التي تجريها الدول الكبرى حول العالم حيث ظهرت خلال السنوات الماضية شهادات وتقارير وأبحاث متناقضة تتحدث عن أدوار لمختبرات أميركية وصينية وشبكات تمويل دولية ومشروعات بحثية عابرة للحدود وهو ما حوّل ملف كورونا بمجمله من قضية صحية إلى قضية سياسية وأمنية واستراتيجية تتداخل فيها مصالح الحكومات ومراكز النفوذ العلمي وشركات الأدوية العملاقة .

عمليا ربما تكون الحقيقة الأكثر إزعاجًا في كل ما تكشفه الوثائق الجديدة أن العالم الذي خسر ملايين الأرواح وتعرض لأكبر انهيار اقتصادي واجتماعي منذ الحرب العالمية الثانية لا يزال حتى هذه اللحظة عاجزًا عن تقديم رواية نهائية ومقنعة حول أصل الكارثة وبعد سنوات من التحقيقات والاتهامات والنفي المتبادل لا تزال الحقيقة موزعة بين تقارير استخباراتية متضاربة ودراسات علمية متناقضة ومواقف سياسية متغيرة تبعًا لموازين القوى والمصالح الدولية المختلفة .

إن كل ما كشفت عنه الوثائق الأميركية الأخيرة لا يثبت بصورة قاطعة أن كورونا خرج من مختبر ولا ينفي بشكل نهائي فرضية المنشأ الطبيعي لكنه يكشف أمرًا أخطر بكثير وهو أن معركة البحث عن الحقيقة نفسها ربما تعرضت للتشويش والتسييس والضغط منذ اللحظات الأولى للجائحة وأن العالم لم يكن يواجه فيروسًا غامضًا فقط بل كان يواجه أيضًا حربًا خفية على المعلومات والروايات والحقائق النتناقضة .

على عتبات هذا الواقع المعقد المطاف تبقى الحقيقة الصادمة ليست في ما إذا كان كورونا قد خرج من مختبر أو من الطبيعة بل في أن البشرية التي امتلكت القدرة على إرسال المركبات إلى الفضاء وفك الشفرات الوراثية المعقدة ما زالت عاجزة عن تقديم إجابة نهائية لسؤال واحد غيّر مصير العالم وأعاد تشكيل الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية وأودى بحياة الملايين من البشر خاصة وان منشأ كورونا لم يعد مجرد لغز علمي بل تحول إلى مرآة تكشف حجم الصراع على الحقيقة في عصر أصبحت فيه المعلومة نفسها ساحة حرب لا تقل خطورة عن الحروب التقليدية.

وإذا كانت جائحة كورونا قد هزت الأنظمة الصحية والاقتصادات الوطنية فإنها في الوقت نفسه كشفت حجم التوظيف السياسي للعلم في الصراعات الدولية الكبرى وخلال سنوات الجائحة لم يعد السؤال متعلقًا فقط بكيفية إنقاذ الأرواح أو تطوير اللقاحات بل تحول إلى معركة شرسة حول تحديد المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الكارثة العالمية وقد وجد العالم نفسه أمام مشهد غير مسبوق تتداخل فيه المختبرات مع أجهزة الاستخبارات وتتصارع فيه مراكز الأبحاث مع الحكومات وتتنافس فيه القوى الكبرى على صياغة الرواية الرسمية للأحداث

رغم ان كل طرف كان يدرك أن إثبات منشأ الفيروس أو نفيه لا يتعلق بالتاريخ العلمي للوباء فقط بل يرتبط أيضًا بصورة الدول ومكانتها الدولية وحجم التعويضات المحتملة ومسؤولية المؤسسات التي شاركت في تمويل الأبحاث البيولوجية الحساسة لذلك لم يكن غريبًا أن تتحول قضية منشأ كورونا من ملف علمي بحت إلى واحدة من أكثر القضايا السياسية تعقيدًا واستقطابًا منذ نهاية الحرب الباردة .

خلاصة القول : ان الامر الأخطر من كل ذلك أن الجدل المستمر حول كورونا كشف أزمة ثقة عالمية غير مسبوقة بين الشعوب ومؤسساتها الرسمية خصوصا وان كل وثيقة جديدة وكل تسريب جديد وكل رواية متناقضة كانت تعمق شعور الملايين بأن كثيرًا من الحقائق لم تُكشف بعد وأن ما قُدم للرأي العام خلال سنوات الجائحة ربما لم يكن سوى جزء من الصورة الكاملة لأنه حين تتضارب تقارير الاستخبارات مع بعض المواقف العلمية وتتعارض التصريحات الرسمية مع وثائق لاحقة يصبح السؤال الاهم ليس فقط من أين خرج الفيروس بل لماذا عجز العالم عن الوصول إلى حقيقة واحدة متفق عليها حتى الآن وهنا تكمن المأساة الأعظم إذ لم تترك جائحة كورونا وراءها ملايين الضحايا والخسائر الاقتصادية فحسب بل تركت أيضًا جرحًا عميقًا في ثقة الإنسان المعاصر بالمؤسسات التي يفترض أنها الأقدر على حمايته وإخباره بالحقيقة الكاملة مهما كانت صادمة أو مكلفة .

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى