فخاخ الخلود: مسخ الروح على أنقاض الصحراء

بلقيس عثامنه

“إن الإنسان عدو الإنسان.. كانت الأرض وما زالت وستكون.. تتغير أشكالها وتتعدد منحنيات جسدها، ماء هنا ويابسة هناك
ويظل الإنسان عدو الإنسان.. عدو نفسه وحبيس غرائزه ومفاتن السطلة الحياة التي تغريه
يطرق كل باب ويخوض كل درب أملا في الخلود.. هذا الخلود المزيف.. قناعة إنسانية بأن البقاء ممكن وللهروب من الفناء حيل كثيرة، فهذا ساحر وذاك دجال وآخر عرّاف عارف بأمور الزمان وتقلب الأسلاف ومزايا الأيام..
لكن الخطيئة ترافق الإنسان.. تبقيه في غيبوبة اللذة.. وتغرق روحه بالأوهام.. كل خطيئة تسرق جزءا وكل بطولة مزعومة تبتر بعضا.. إلى أن يكون مسخا أو فزاعة ترعب الأقران لو رأوها.. إنها الروح التي تنتزع كل جميل لتصبح مسخ روح بحثا عن سلطة البقاء وعلو الكلمة وامتزاج الذهب والفضة بالأجساد..
تظن أن الواحة مكان بقاء خير وراحة تبقيها حيل الخفاء.. إنه سر الإنسان.. جحود طماع.”
بهذه العبارات يمكن اختزال رواية الفزاعة للكاتب الليبي إبراهيم الكوني، الذي يقيم روايته على أنقاض الإنسان ليجعل منه فزاعة مرعبة، تتجرد من إنسانيتها مقابل لذتها.. هذه الرواية التي تنسج من لغة فلسفية وعمق ثنائيات ضدية تجمع الخفاء بالواقع، والظاهر بالباطن، والإنسان بالجن، والواحة الرغيدة بالصحراء القاسية، حكمة القدر وحيلة الإنسان.. فتظهر قساوة هذا المخلوق ورغبته في البقاء محاولا الاتحاد مع كل شيء وأي شيء في سبيل حيلة الاستمرار، دون أن يدرك أن المطاف سينتهي به في مثواه الأخير.. رغم محاولاته الصوفية واتحاداته الكونية والأرضية إلا أن مصيره واحد كما الأسلاف كما الأقران وكما الحيل التي يبتدع ليكون لذاته كل شيء ويكون له كل مراد
وما هذه الصحراء في عوالم الكوني إلا مرآة كاشفة وليست فضاء جغرافيا صامتا فحسب فهي البوتقة التي ينصهر فيها زيف الحضارة وتتساقط فيها أقنعة الوهم، ليقف الإنسان عاريًا إلا من غرائزه، إنها صحراء تعري الروح وتختبر هشاشتها، فلا تقبل من الادعاءات أكثرها حيلة، ولا تترك للمخلوق الحائر مفرا من ملاقاة مصيره المحتوم، ليتحول الصراع من رغبة في امتلاك المكان إلى صراع عبثي مع الزمن والمكان والإنسان والذات.
وعلى هذا النحو، تسقط كل تعويذة واتحاد مزعوم عند اختبار الحقيقة، ليتكشف الوهم الكبير الذي سكنه الكائن طويلا، فمن يظن أنه بالخطيئة والدجل قد حاز مفاتيح الخلود، يرتد في آخر المطاف خائباً، حاملاً وزر مسخ روحي أفقد معناه الجميل فكان “فزاعة”، ليبقى شاهدا على أن من أراد امتلاك كل شيء، لم يربح سوى العدم فيصير أشلاء في رحم الأرض جزءا من كل جزء.. بعضا من كل مكوناتها، شتاتا لا يمكن جمعه.. فمن أراد كل شيء فاته كل شيء.. وهنا تظهر حقيقة الإنسان وتكون روحه الماكرة جلية الوضوح متجردة من القيم بحثا عن السلطة فتعود إلى أصلها.. طين.. تراب وماء.. سر الكون ومصدر الوجود.. وهذه هي فلسلة الإنسان.. حين يريد الكون فيذهب إلى زوال في ثنايا الأرض..
يالها من لحظة استثنائية فارقة لنتوقف.. عند جحود الإنسان.. زهده في الخلود الحقيقي وجهله في سره الأزلي.. أراد الأرض تناسيا منه أنه زائر في واحة الحياة الرغيدة.. يمكث قليلا قبل إتمام رحلة الصحراء.. رحلة البحث عن ذاته بين ثنايا عالمه.. حتى يموت ويتحد مع أرض هو منها وإليها.. وتذهب روحه إلى برزخ يبقيها حية حتى يوم الحساب.. جهل الإنسان أنه مخلد بأشكال متعددة فأراد التمرد على الإله ومزاحمات الخافيات بحثا عن خلود!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى