مزيج يُغذّي التضخم: الرسوم الجمركية والنفط يدفعان المتداولين لإعادة تقييم توقعات التضخم

نيك سبنسر سكين، كبير المسؤولين التنفيذيين في لونارو ماركتس ليمتد

تصدرت التطورات الجيوسياسية المشهد مجدداً لتصبح المحرك الأساسي لتوجهات المتداولين خلال الأسبوع الماضي؛ ولم يقتصر ذلك على تصاعد حدة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران فحسب، بل امتد ليشمل التهديدات المتجددة بفرض رسوم جمركية. وعند إضافة البداية المتباينة الأداء لموسم أرباح شركات التكنولوجيا الكبرى، تتضح النتيجة المحورية الأبرز: أعاد المشاركون في السوق توجيه تركيزهم بشكل مكثف نحو مخاطر التضخم، والمسارات المحتملة للسياسة النقدية للاستجابة لهذه المتغيرات الاقتصادية المتلاحقة.

وظل النفط الموجه الأساسي للاقتصاد الكلي؛ إذ دفع خام برنت نحو مستوى 100 دولار للبرميل، مسجلاً ارتفاعاً تجاوزت نسبته 20% خلال أسبوعين فقط، جراء الهجمات المستمرة في محيط مضيق هرمز وباب المندب، والتي هددت مسارات التصدير الحيوية في الشرق الأوسط. هذه الصدمة المتجددة في قطاع الطاقة فرضت ضغوطاً تصاعدية على السندات العالمية، ما أدى إلى ارتفاع عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل، بينما بلغت عوائد السندات الحكومية الألمانية أعلى مستوياتها منذ عام 2011.

وعلى صعيد أسواق الأسهم، جاء الأداء أكثر تبايناً؛ حيث أنهى كل من مؤشري ستاندرد آند بورز 500 وناسداك 100 تداولات الأسبوع في المنطقة الحمراء، بعد أن طغت المخاوف بشأن الزيادة الجديدة في النفقات الرأسمالية المخصصة للذكاء الاصطناعي على النتائج القوية التي حققتها شركة “ألفابت” (Alphabet) في قطاع الحوسبة السحابية. في المقابل، أبدت الأسهم الأوروبية مرونة أكبر بدعم من قطاعي الطاقة والخدمات المالية، بينما شهدت أسواق الدول الناشئة تراجعاً حاداً مع نهاية تداولات الجمعة.

وفي سوق العملات الأجنبية (FX)، سجل الدولار الأمريكي أقوى أداء أسبوعي له منذ شهر، مع استمرار المخاطر الجيوسياسية والتجارية في تعزيز الطلب على العملة كـ “ملاذ آمن”. وكان الين الياباني في صدارة الخاسرين، حيث أدت ضغوط البيع المتجددة إلى دفع زوج الدولار/ الين الياباني للارتفاع إلى أعلى مستوى له منذ عدة عقود، لينهي تداولات الأسبوع عند مستوى 163.83.

أما أسواق السلع الأساسية، فقد واصلت التماسك باستثناء النفط؛ إذ مددت الفضة مكاسبها القوية للأسبوع الثاني على التوالي، في حين أشارت بيانات “بلومبرغ” إلى جذب الذهب لتدفقات مالية أسبوعية بلغت قيمتها ملياري دولار.

ويمتد هذا المشهد الجيوسياسي الهش إلى الأسبوع الجديد، في وقت يترقب فيه المتداولون بحذر نتائج اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المقرر عقده يوم الأربعاء.

اجتماع الفيدرالي المرتقب: بوصلة توجيه الأسواق

تتوقع الأسواق بأغلبية ساحقة أن يبقي الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه هذا الأسبوع. وبناءً على ذلك، يصبح السؤال الأهم والأكثر إلحاحاً هو: هل سيستغل رئيس الفيدرالي “وارش” هذا الاجتماع لتهيئة الأسواق لزيادة محتملة في الفائدة لاحقاً هذا العام؟

منذ الاجتماع السابق، أصبح المشاركون في السوق أكثر حساسية تجاه مخاطر التضخم؛ فقد ارتفعت أسعار النفط، وعادت مخاطر الرسوم الجمركية إلى السطح، بينما يواصل صناع السياسة النقدية مراقبة مسار التضخم عن كثب. وفي الوقت ذاته، لا يزال النشاط الاقتصادي يظهر صلابة، ولم يسجل سوق العمل أي علامات تدهور تُذكر قد تمنع الفيدرالي من استئناف التضييق النقدي إذا استدعت الحاجة.

وعليه، فإن نقطة الارتكاز الرئيسية ستكون الكيفية التي سيصيغ بها “وارش” هذه البيانات؛ فقد تعمد تجنب تقديم “توجيهات مستقبلية” (Forward Guidance) قاطعة، غير أن الحفاظ على هذا الموقف يصبح أكثر صعوبة مع تراكم مخاطر التضخم وتبني العديد من أعضاء اللجنة الفيدرالية للأسواق المفتوحة (FOMC) نبرة أكثر تشدداً.

سيركز المتداولون على أي تعديل في صياغة البيان بشأن التضخم، وما إذا كان “وارش” سيعتبر ارتفاع أسعار النفط أمراً مؤقتاً أم مستداماً، فضلاً عن مدى قوة رفضه للتوقعات التي تشير إلى إمكانية رفع الفائدة في عام 2026.

وتُظهر عقود الفائدة الآجلة في الولايات المتحدة حالياً احتمالاً بنسبة 71.3% لرفع سعر الفائدة في سبتمبر، مع تسعير زيادة قدرها 44 نقطة أساس إضافية بحلول نهاية العام.

شركات التكنولوجيا الكبرى.. وتوقعات أكبر

يستقبل السوق أسبوعاً حافلاً آخر بصدور نتائج أرباح شركات التكنولوجيا الكبرى، حيث تفصح كل من “مايكروسوفت”، “ميتا”، “أبل”، و”أمازون” عن نتائجها يومي الأربعاء والخميس. وتتطلع الأسواق لهذه النتائج مجتمعة بمثابة مؤشر حيوي لمعرفة توجهات المستثمرين نحو الاستثمارات المتواصلة في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وكان تقرير “ألفابت” الصادر الأسبوع الماضي قد وضع معياراً صعباً؛ فبالرغم من نمو الإيرادات بنسبة 24% وتسارع نمو “جوجل كلاود” إلى 82%، إلا أن السهم تراجع بعد أن رفعت الإدارة إرشادات النفقات الرأسمالية (Capex) لعام 2026 إلى مستويات تراوح بين 195 و205 مليارات دولار.

هذا المعطى يجعل من “توقعات النفقات الرأسمالية” المعيار الأكثر أهمية هذا الأسبوع. بالنسبة لشركتي “مايكروسوفت” و”أمازون”، سيركز الاهتمام على معدلات نمو منصتي “Azure” و”AWS” مقارنة بالإنفاق على البنية التحتية. أما شركة “ميتا”، فستخضع للتقييم بناءً على مدى نجاح استثماراتها في الذكاء الاصطناعي في زيادة العائدات الإعلانية، بينما تلتف التساؤلات حول “أبل” بشأن الطلب على منتجاتها واستراتيجيتها الشاملة للذكاء الاصطناعي.

وكما شهدنا الأسبوع الماضي، فإن التداعيات المترتبة على أرباح هذه الشركات العملاقة تتجاوز أسهمها الأربعة؛ فأي زيادات إضافية في النفقات الرأسمالية قد تدعم شركات أشباه الموصلات والبنية التحتية لمراكز البيانات، ولكنها في الوقت نفسه قد تضغط على التدفقات النقدية الحرة والتقييمات السعرية لمزودي الخدمات السحابية الفائقة (Hyperscalers). وعلى العكس من ذلك، فإن أي تباطؤ في الإنفاق قد يُفسر كدليل على بدء فتور دورة استثمار البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وبناءً عليه، يمكن القول إن الشركات تسير فوق حبل مشدود تتطلب الموازنة عليه حرصاً شديداً.

زخم الدولار يكتسب قوة دفع جديدة

كما يتضح في “رسم الأسبوع البياني”، يدخل الدولار الأمريكي الأسبوع وهو يتحرك بالقرب من أعلى مستوياته في 52 أسبوعاً، مسجلاً مساراً صاعداً. وقد جذب الدولار اهتماماً متزايداً من الأسواق مع مساهمة التطورات الجيوسياسية في تعزيز جاذبيته.

“إن ارتفاع توقعات السوق بشأن احتمالية فرض المزيد من التضييق النقدي دعم بدوره الطلب على الدولار الأمريكي.”

وقد أدى الضعف النسبي للعملات الأخرى إلى مضاعفة هذا الاتجاه الصاعد؛ فلم يقتصر الأمر على تراجع الين فحسب، بل شهد اليورو أيضاً انخفاضاً عقب قرار البنك المركزي الأوروبي (ECB) بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير. كما وفرت التهديدات الجمركية الأمريكية المتجددة مصدراً آخر للطلب على الدولار باعتباره ملاذاً آمناً.

وفي حال استمرت المخاوف التضخمية وتوقعات ارتفاع أسعار الفائدة، يرى بعض المشاركين في السوق أن الدولار الأمريكي قد يواصل تلقي الدعم. ومع ذلك، تظل تحركات السوق المستقبلية مرهونة بالبيانات الاقتصادية المتلاحقة، وسياسات البنوك المركزية، والتطورات الجيوسياسية.

تظل توقعات السوق عرضة للتغيير؛ فأي انحسار في حدة التوترات الجيوسياسية، أو صدور بيانات تضخم أضعف من المتوقع، أو تباطؤ في النشاط الاقتصادي، قد يؤدي إلى إعادة تغيير التوقعات الخاصة بالسياسة النقدية والأسواق المالية بشكل عام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى