لماذا صعّدت إيران استهداف الأردن .. قراءة في الرسائل والأهداف والتداعيات

 

د . مهدي مبارك عبد الله

في الواقع لم يعد التصعيد الإيراني تجاه الأردن مجرد حادث أمني عابر أو نتيجة عرضية لتقاطع نيران الحرب بين طهران وواشنطن بل أصبح مؤشراً على تحول واضح في طبيعة المواجهة الإقليمية بعدما انتقلت الصواريخ والطائرات المسيّرة من مجرد المرور في الأجواء الأردنية إلى استهداف مواقع داخل الساحة الأردنية الأمر الذي وضع المملكة أمام تحد أمني وسياسي جديد يفرض قراءة أعمق للأسباب والرسائل والنتائج.

الأردن كدولة محايدة لم يكن طرفاً في المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران ولم يسع إلى تحويل أراضيه إلى ساحة صراع بين القوتين لكنه بحكم موقعه الجغرافي وعلاقاته الأمنية أصبح جزءاً من الحسابات الاستراتيجية لهذا الصراع والمملكة تقع في منطقة شديدة الحساسية بين العراق وسوريا وفلسطين وتجاور ساحات نفوذ إقليمية متنافسة جعلتها عرضة لتداعيات أزمات لم تكن هي من صنعها.

بالتحليل الاستشرافي نجد إن أحد أهم أسباب التصعيد الإيراني تجاه الأردن يرتبط بالنظرة الإيرانية إلى شبكة التحالفات الأمنية في المنطقة وطهران ترى أن الدول التي ترتبط بتعاون عسكري مع واشنطن يمكن أن تصبح جزءاً من معادلة الردع والضغط على الولايات المتحدة ولذلك فإن استهداف مواقع مرتبطة بالوجود الأمريكي داخل الأردن يهدف في الاساس إلى رفع كلفة المواجهة على واشنطن وإرسال رسالة بأن المصالح الأمريكية في المنطقة ليست بعيدة عن الرد.

ما يجب ان نتوقف عنده مليا ان تفسير التصعيد الإيراني تجاه الاردن لا يتوقف عند العامل الأمريكي فقط فهناك حسابات إقليمية أوسع تتعلق بمحاولة إيران إثبات قدرتها على فتح جبهات متعددة وإظهار أن قدرتها العسكرية لم تتأثر رغم الضربات والضغوط التي تعرضت لها خلال الفترة الماضية كما أن توسيع دائرة الاستهداف بالصواريح البالسيتية والمسيرات لبعض الدول يمنحها ورقة تفاوضية أكبر في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بأمن المنطقة والملفات الخلافية الكبرى.

البعض اعتبر ان من بين الأهداف العامة المحتملة لزيادة حدة هذا التصعيد هو بعث رسالة قوية إلى دول المنطقة بأن النفوذ الإيراني ما زال يمتلك أدوات ضغط وأن طهران قادرة على نقل المواجهة إلى ساحات جديدة إذا شعرت بأن مصالحها أو نفوذها مهددان وان المسألة بالنسبة لإيران لا تتعلق فقط بالرد العسكري بل بمحاولة تثبيت معادلة سياسية تقول إن أمن الإقليم مترابط وإن أي ترتيبات جديدة لا تراعي مصالحها ستواجه مقاومة.

الشاهد الى جانب كل ذلك ان ارتفاع مستوى التصعيد حمل في ذات الوقت رسائل اخرى مرتبطة بالعراق ولبنان وسوريا حيث تشهد هذه الساحات محاولات لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة الموجودة خارج مؤسساتها حيث تنظر إيران بقلق إلى بالغ الى أي مسارات سياسية أو أمنية قد تؤدي إلى تقليص نفوذها التقليدي في المنطقة ولذلك فإن استخدام أدوات الضغط في ساحات أخرى قد يكون جزءاً من محاولة منع تغييرات لا ترغب بها.

الامر المستغرب في مسارات الاحداث بالنسبة لعدد من المتابعين والمراقبين كان في استهداف مدينة العقبة رغم عدم وجود اي قواعد أمريكية فيها فإنه يحمل دلالات مختلفة عن استهداف المواقع العسكرية الاخرى خاصة وان المدينة تمثل منفذ بحري الوحيد للأردن وموقعاً اقتصادياً وسيادياً بالغ الأهمية وأي تهديد لها يهدف إلى توجيه رسالة بأن التصعيد يمكن أن يطال المصالح الحيوية للدول وليس فقط المنشآت العسكرية المرتبطة بالمواجهة المباشرة.

الخطورة في المعنى الدقيق للكلمة تكمن في إن استهداف منشآت مدنية أو تعريضها للخطر يغيّر طبيعة القضية من خلاف عسكري بين دولتين إلى مسألة تمس سيادة دولة أخرى وأمن مواطنيها ولذلك فإن الأردن ينظر إلى أي صاروخ أو مسيّرة تدخل مجاله الجوي باعتبارها انتهاكاً لسيادته بغض النظر عن الجهة التي أطلقتها أو الهدف الذي كانت تقصده.

على مستوى التحدي والجهوزية تعاملت اجهزة القوات المسلحة الأردنية المختصة مع هذه التطورات باعتبارها مهمة دفاعية لحماية الوطن والمواطنين وليس باعتبارها مشاركة في حرب إقليمية وقد أظهرت منظومة الدفاع الأردنية قدرة عالية في رصد واعتراض العديد من التهديدات الجوية مع المحافظة على قواعد اشتباك تقوم على حماية السيادة وتجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة لا تخدم المصالح الأردنية.

خلال الهجمات الصاروخية بعيدة المدى لا بد من الفهم بإن أي منظومة دفاعية في العالم مهما بلغت قوتها لا تستطيع ضمان منع كل تهديد بشكل كامل خاصة وان الحروب الحديثة تعتمد على كثافة الهجمات وتعدد الوسائل ولذلك فإن نجاح الأردن لا يقاس فقط بعدد الأهداف التي تم اعتراضها بل أيضاً بقدرته على منع تحول أراضيه إلى ساحة حرب مفتوحة.

ان ما عزز موقف الاردن ورفع معنويات جيشه في مواجهته للعدوان الموقف الأردني المتماسك والداعم على مستوى الجبهة الداخلية الذي يدرك جيدا بأن دعم القضية الفلسطينية وصمود اهلها لا يتعارض بتاتا مع حماية أمن الدولة وسيادتها حيث ترفض الغالبية العظمى من الأردنيين أن تتحول بلادهم إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية كما تعلم بأن إضعاف الأردن لا يخدم القضية الفلسطينية ولا يخدم أمن المنطقة.

اللافت انه بالرغم من التصعد المتواصل والهجمات المكثفة ووقوع اضرار في بعض المناطق وضحايا في الجانب الامريكي الا ان العلاقة الأردنية الإيرانية لم تدخل مرحلة أكثر تعقيداً بسبب هذه التطورات والأردن لم يرغب في قطع قنوات الاتصال أو الدخول في مواجهة سياسية مفتوحة لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع قبول استهداف أراضيه أو تحويل موقعه الجغرافي إلى نقطة ضغط في الصراع الإيراني الأمريكي ولهذا فإن المعادلة الأردنية تقوم على الجمع بين الردع العسكري والدبلوماسية السياسية.

اذا ما غصنا في العمق يبدو لنا إن استمرار التصعيد الايراني سيترك آثاراً طويلة المدى على العلاقة بين عمان وطهران خصوصا وان العلاقات بين الدول لا تبنى فقط على المصالح المشتركة بل تحتاج أيضاً إلى احترام متبادل للسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم استخدام أراضي الآخرين كساحات للرسائل العسكرية.

ربما يكون من صحيح الفول إن ارتفاع حدة التصعيد الإيراني تجاه الأردن يكشف حقيقة مهمة وهي أن الدول الصغيرة والمتوسطة في منطقة ملتهبة لا تستطيع تجاهل التحولات الكبرى من حولها بل تحتاج إلى إدارة دقيقة وحكيمة للتوازنات وحماية مصالحها والأردن ليس ساحة مفتوحة لأي طرف وليس رسالة بريدية بين الخصوم وإنما دولة لها سيادتها وحقها الكامل في الدفاع عن أمنها ومواطنيها.

أن الضربات الإيرانية الأخيرة التي تعرض لها الاردن عكس بشكل مباشر تحول نوعي في قواعد الاشتباك التي اعتمدتها طهران خلال السنوات الماضية إذ لم تعد الهجمات تأتي فقط كرد فعل مباشر على استهداف الأراضي الإيرانية أو مصالحها الحيوية بل باتت تحمل طابع المبادرة والاستباق في محاولة لفرض معادلات ردع جديدة واختبار حدود الرد الأمريكي قبل أي مواجهة أوسع وهو ما اظهر ارتفاع مستوى الثقة الإيرانية باستخدام القوة المباشرة لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية في آن واحد.

كما ان الرؤية العسكرية والتكتيكية الشاملة لصانع القرار الإيراني باتت تنطلق من تقدير مفاده أن الإدارة الأمريكية ليست في وضع يسمح لها بالذهاب إلى مواجهة عسكرية مفتوحة في هذه المرحلة في ظل المخاوف من انعكاسات أي تصعيد جديد على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي واستنزاف المخزون العسكري إضافة إلى الحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة وهو ما قد يفسر سعي طهران إلى اختبار سقف الرد الأمريكي ومحاولة معرفة أين تنتهي خطوطه الحمراء.

في المقابل لا يمكن إغفال البعد المتعلق بالحرب النفسية والسياسية إحيث تسعى إيران إلى الإيحاء بأن وجود القوات الأمريكية داخل الأردن أصبح عبئاً أمنياً وسياسياً على المملكة وأن استمرار هذا الوجود قد يعرضها لمزيد من المخاطر كما تحاول استثمار أي تباينات داخلية بشأن العلاقة مع واشنطن لإيجاد حالة ضغط سياسي وشعبي تدفع مستقبلاً نحو إعادة النظر في طبيعة هذا الوجود العسكري دون أن يعني ذلك بالضرورة نجاح هذه المحاولات أو تحقيق أهدافها.

في النهاية السؤال الأساسي الذي يبغي التعامل معه بوعي ليس لماذا يقيم الأردن علاقات دبلوماسية وعسكرية مع الولايات المتحدة بل لماذا أصبح أمن الدول العربية مرتبطاً بصراعات إقليمية كبرى تتجاوز قدراتها الذاتية والأردن مثلا لم يختر موقعه الجغرافي ولا الاصطفاف مع طرف ضد الاخر لكنه اختار حماية أمنه عبر بناء جيش قوي وعلاقات دولية توفر له الردع والدعم في بيئة إقليمية شديدة التقلب الاضطراب.

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى