أثر الإنسان لا يقاس بعمره

بقلم: نادية إبراهيم نوري

طالما سمعت عن جزر المالديف وسحر شواطئها، ورقة رمالها، وصفاء مياهها، ورقي الخدمات فيها، وما ينعم به المواطن والسائح على حد سواء من هدوء وسلام نفسي. لذلك قررت أن أقرأ أكثر عن تلك الدولة الواقعة في قارة آسيا، وسط المحيط الهندي.

وكان أكثر ما لفت انتباهي أن نسبة المسلمين في جمهورية المالديف تبلغ 100%، وهي من الدول القليلة التي يعتنق جميع مواطنيها الدين الإسلامي.

وتروي إحدى الروايات التاريخية، التي أوردها الرحالة الشهير ابن بطوطة، أن سكان تلك الجزر كانوا يدينون بالبوذية، وكان لديهم معتقد غريب مفاده أن مخلوقًا مخيفًا يأتي من البحر مع بداية كل شهر، فيقدم له الأهالي فتاة عذراء قربانًا، فتبيت معه ليلة ثم يجدونها في الصباح ميتة، معتقدين أنهم بذلك يتجنبون شره.

واستمرت تلك العادة حتى قدم إليهم الداعية المغربي الحافظ أبو البركات يوسف البربري. وعندما علم أن القرعة وقعت على ابنة الرجل الذي كان يستضيفه، قرر أن يحل محلها، وقضى الليل يتلو القرآن الكريم بصوت خاشع، فلم يظهر ذلك المخلوق مرة أخرى. وعندما بلغ الخبر الملك، طلب لقاء الداعية والاستماع إلى القرآن منه، فتأثر به وأسلم، ثم تبعه أهل الجزيرة، حتى أصبح الإسلام دين البلاد.

سواء اتفق المؤرخون أو اختلفوا حول تفاصيل هذه الرواية، فإنها تبرز أثر الإنسان الصالح في تغيير مجرى حياة الآخرين.

وهنا تذكرت قصة الطفل المصري مجدي فرحات، الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره. ففي إحدى القرى التابعة لشبرا الخيمة بمحافظة القليوبية، خرج لقضاء حاجة لوالدته، ولاحظ كسرًا كبيرًا في قضبان السكة الحديد، وكان يعلم أن موعد مرور القطار القادم من القاهرة إلى الإسكندرية قد اقترب.

أدرك الطفل، رغم صغر سنه، أنه لن يتمكن من إبلاغ المسؤولين في الوقت المناسب، فخلع سترته وراح يلوح بها أمام القطار بكل شجاعة، غير مبالٍ بالخطر الذي يهدد حياته. وبفضل الله، انتبه سائق القطار إلى الإشارة، فاستطاع استخدام المكابح وإيقاف القطار قبل الوصول إلى مكان الكسر، لينقذ بذلك حياة مئات الركاب الذين كانوا على متنه.

هكذا هو الإنسان… يمتلك القدرة على صناعة الخير كما يمتلك القدرة على صناعة الشر. بيده أن ينشر السلام والمحبة، وبيده أيضًا أن يشعل الحروب. يستطيع أن يبتكر ويبدع، ويكتشف العلوم، كما يستطيع أن يهدم وينشر الفساد. والفرق بين هذا وذاك هو الضمير والقيم التي يحملها.

وصدق الخليفة الراشد أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، حين قال:

«قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنُه.»

فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تقاس بما يملك من مال أو جاه، ولا بما يبدو عليه من مظاهر، وإنما بما يحمله من مبادئ وأخلاق، وبما يقدمه من خير ونفع للناس، وبالأثر الطيب الذي يتركه في مجتمعه. فالأعمال الصالحة هي التي تبقى، وهي التي تمنح الإنسان قيمته الحقيقية في الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى