لماذا فشل مشروع العصابات العميلة في غزة رغم التمويل والتسليح والحماية العسكرية ؟

د . مهدي مبارك عبد الله

لم يكن استشراء العصابات العميلة المسلحة التي حاول الاحتلال الإسرائيلي صناعتها في قطاع غزة مجرد ظاهرة أمنية مرتبطة بفوضى الحرب أو انعكاساً عابراً لحالة الدمار والضغط الإنساني بل كان في حقيقته جزءاً من مشروع سياسي وأمني هدفه الأساسي إيجاد وكلاء محليين يقومون بأدوار تتجاوز حجمهم الحقيقي وقدراتهم العملية وهم يؤدون الوظائف والادوار المشبوهة بالنيابة عن الاحتلال في محاولة متكررة ويائسة لصناعة بديل مفروض من الخارج لحركة حماس وبقية القوى والفصائل الفلسطينية التي بقيت حاضرة في المشهدبقوة وتحدي رغم كل الضربات العسكرية والمؤامرات الدنيئة التي تعرضت لها .

ان فكرة صناعة وكلاء محليين رخيصين ليست جديدة في تاريخ الاحتلالات فهي تقوم دائماً على الاعتقاد بأن السيطرة على الأرض يمكن تثبيتها عبر مجموعات من داخل المجتمع نفسه تكون مستعدة للقيام بالمهام التي يصعب على القوة المحتلة تنفيذها مباشرة لكن التجارب التاريخية أثبتت أن هذه المشاريع كانت دائما تحمل في داخلها بذور فشلها لأنها تحاول استبدال الشرعية الشعبية والقيادية بالمال والسلاح والحماية الخارجية وهي عناصر قد تمنح القوة المزيفة والمؤقتة مرحليا لكنها لا تصنع قبولاً ونفوذا ولا تبني مستقبلاً امن ومستقر .

عمليا ملامح هذا المشروع بدأت في غزة بالظهور مع بروز مجموعة العميل الساقط المنبوذ ياسر أبو شباب في المناطق الجنوبية من القطاع حيث ارتبط اسمها بداية بعمليات السيطرة على المساعدات و حراسة الطرق القريبة من المناطق التي ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي ثم تطور دورها لاحقاً بعدما حصلت على دعم مباشر مكّنها من التحول من مجموعة محدودة تعمل في الظل إلى تشكيل مسلح يتحرك في بيئة أمنية معقدة تحت حماية الاحتلال وباسلحته .

مع اتساع التجربة بدأت تظهر ايضا بصورة متلاحقة مجموعات أخرى بأسماء مختلفة مثل المجموعة التي ارتبطت بالعميل غسان الدهيني بعد مقتل أبو شباب وكذلك مجموعات العملاء بدءا من أشرف المنسي وحسام الأسطل وشوقي أبو نصيرة ورامي حلس وغيرها من التشكيلات الهلامية التي حاولت تقديم نفسها باعتبارها قوة قادرة على ملء الفراغ السياسي والأمني في غزة حيث ذهبت بعض هذه القيادات إلى الترويج لفكرة أنها ستكون جزءاً من مستقبل القطاع بعد الحرب .

المشكلة الاكبر التي واجهت هذا المشروع منذ بدايته أن هذه الجماعات اللفيطة ولدت خارج البيئة الوطنية ولم تستند إلى قاعدة شعبية حقيقية ولم تمتلك مشروعاً سياسياً أو اجتماعياً يمكن أن يمنحها شرعية وطنية داخل المجتمع الغزي لان القوة التي تستمد وجودها من حماية الاحتلال ستبقى في نظر الناس امتداداً ممسوخ للقوة التي تحميها وليست بديلاً عنها .

لقد حاول الاحتلال تعويض هذا النقص الواضح عبر تقديم كل أشكال الدعم الممكنة من السلاح والتدريب والرواتب والمعلومات الاستخبارية والتسهيلات اللوجستية والرعاية العسكرية المباشرة كما حاول استخدام بعض الخلفيات الأمنية السابقة لبعض قادة هذه المجموعات لإظهارها وكأنها امتداد فلسطيني طبيعي داخلي وليس مشروعاً مفروضاً من الخارج بالخيانة والعمالة .

الملاحظ جليا في هذا الصدد أن الحسابات الإسرائيلية اصطدمت بحقيقة أكثر عمقاً وتأثير وهي أن المجتمعات الوطنية الثابتة على النهج والمبدأ لا تمنح الشرعية لمن يحمل السلاح ويقود الهيمنة فقط بل لمن يمتلك الثقة والانتماء والتاريخ ولذلك بقيت هذه المجموعات ملفوظة ومحاصرة داخل دائرة ضيقة من العزلة الشعبية رغم كل ما حاولته لتحسين صورتها عبر توزيع بعض المساعدات أو الظهور الإعلامي أو تقديم نفسها كقوة أمنية بديلة لحماية عزة وابنائها .

ما يجب الفخر به امام العالم ان مجاميع الرفض الاجتماعي والعشائري القوي والحاسم كان أحد أهم العوامل التي أفشلت الرهان الإسرائيلي على نمو هذه الطفليات الضارة حيث أدركت معظم العائلات والعشائر الفلسطينية في غزة أن تحويل الخلافات الداخلية إلى أداة تفرقة وبناء صراعات بيد الاحتلال سيؤدي إلى تمزيق المجتمع وجعله متناحر كما سيقود الى إضعاف القضية الوطنية ولذلك رفضت قطاعات وطنية واسعة منح هذه الجماعات الشرعية والغطاء الذي كانت تبحث عنه إسرائيل حتى تستطيع تحويلها إلى سلطة أمر واقع بالخديعة والتلاعب بالأهداف والتصريحات .

الامر الذي لا يقل اهمية في الوقت نفسه ان هذه العصابات الاجرامية واجهت ضربات أمنية متواصلة من عناصر المقاومة التي تعاملت معها باعتبارها أدوات مشبوهة ومرتبطة بالمشروع الإسرائيلي الخفي والهادف إلى اختراق المجتمع الفلسطيني من الداخل حيث جرى تفكيك خلايا واعتقال افراد وملاحقة قادة وإحباط عمليات كانت تهدف إلى توسيع نفوذ هذه المجموعات أو استهداف شخصيات أمنية وميدانية مهمة من كافة فصائل المقاومة .

بالتوازي ساهمت طبيعة المهام التي ارتبطت بهذه العصابات في تسريع سقوط صورتها ورجالها ومشروعها داخل المجتمع الغزي خاصة وان اسم بعضها ارتبط بسرقة المساعدات وحاجيات المواطنين وملاحقة عناصر المقاومة وتنفيذ عمليات أمنية سرية وعلنية تخدم الجيش الإسرائيلي وهو ما جعلها تفقد أي فرصة ممكنة للتحول إلى قوة سياسية مقبولة شعبيا حتى لدى بعض الفئات التي كان لديها ملاحظات متكررة على أداء القوى الفلسطينية الموجودة في القطاع .

ربما يكون الامر الأكثر دلالة على الفشل أن هذا المشروع بدأ يواجه انتقادات داخل إسرائيل نفسها حيث حذر عدد من الباحثين والخبراء الأمنيين من أن الاعتماد على مجموعات ملاشيوية هامشية ذات ارتباطات غير مستقرة ومتناقضة قد يتحول من ورقة ضغط على الفلسطينيين إلى عبء أمني على إسرائيل ذاتها لأن هذه الجماعات يتم اعدادها وتدريبها وتسليحها خارج إطار الدولة والقانون ولذلك لا يمكن ضمان اتجاهاتها وثبات ولائها إلى الأبد .

التاريخ العالمي والعربي قدم نماذج كثيرة لقوى أنشأتها أجهزة الاحتلال أو دعمتها لأهداف مؤقتة ثم انتهت إلى الفشل بعد انتهاء الحاجة إليها ومن أبرز الأمثلة تجربة جيش لبنان الجنوبي ( مجموعة مليشيات مسلحة كانت موالية لإسرائيل في جنوبلبنان انحلت عام 2000 وهربت قيادتها وعناصرها الى تل ابيب ) تولى قيادتها سعد حداد وانطوان لحد والتي تحولت بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان إلى نموذج واضح لمأساة القوى العميلة التي تراهن على حماية الاحتلال أكثر مما تراهن على مجتمعها وشعبها .

الخطأ الاستراتيجي الكبير الذي ارتكبه الاحتلال في غزة أنه اعتقد أن إسقاط أي قوة سياسية أو عسكرية يمكن أن يتم عبر صناعة بديل جاهز من الخارج متجاهلاً أن المجتمعات لا تُدار بالوكالة وأن الشرعية لا تمنحها الطائرات المسيرة ولا البنادق ولا الأموال القادمة من خلف الحدود .

لا شك بان تجربة غزة المشرفة أثبتت أن الاحتلال يستطيع أن يصنع مجموعات ديكورية مسلحة لكنه لا يستطيع ابدا أن يصنع لها وطناً في وجدان الناس وأنه كذلك قد يستطيع أن يمنح بعض الأفراد قوة مؤقتة لكنه لا يستطيع أن يمنحهم احترام المجتمع أو ثقة الشعب ولهذا فإن الرسالة الأهم من فشل هذا المشروع ليست فقط للذين خططوا له بل لكل من يفكر في المستقبل بأن يجعل نفسه أداة عملية رخيصة في يد قوة الاحتلال لأن التاريخ لا يرحم من يضع مصيره في خدمة مشروع عابر فحين تنتهي الحاجة اليه تنتهي الحماية عليه وعندما يسقط الغطاء يجد هؤلاء أنفسهم عراة مفضوحين أمام مصير قاس بين فقدان المكانة والنبذ الاجتماعي أو الملاحقة أو الهروب إلى الجهة التي استخدمتهم ليعيشوا تحت قيود أمنية قاسية واقامة حبرية دائمة ومراقبة مستمرة كما حدث مع كثير من العملاء الجبناء والجواسيس الانذال في مختلف الحروب و الصراعات .

ختاما : الوطن الغالي بحضنه الدافئ قد يغفر الخطأ لمن يعود إليه ويعترف به لكنه لا يمنح الشرعية لمن اختار أن يكون جسراً يعبر عليه الاحتلال إلى أبناء شعبه وهذه هي الخلاصة التي قدمتها غزة بأن المشاريع التي تُبنى على الخيانة والعمالة والارتهان مهما امتلكت من نفوذ ومال وسلاح وحماية الا انها تبقى مشاريع بلا روح وجذور ومهما طال عمرها فإن نهايتها تكون السقوط المخزي لأن الشعوب قد تُرهقها الحروب لكنها لا تفقد قدرتها على التمييز بين من يقف معها ومن يقف ضدها .

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى