أرقام قياسية محفوفة بالتحفظات: مؤشرات الأسهم الأمريكية تسجل مستويات قياسية جديدة والذهب يختتم أسبوعاً قوياً

نيك سبينسر-سكين، مسؤول تنفيذي أول في شركة “لونارو ماركتس ليمتد
دفعت أسواق الأسهم العالمية نحو مستويات قياسية جديدة خلال الأسبوع الماضي، وإن لم يكن الطريق إليها سلساً بأي حال. فقد أغلق مؤشر ستاندرد آند بورز 500 عند مستوى قياسي جديد، فيما تجاوز داو جونز حاجز 54 ألف نقطة لفترة وجيزة، كما سجل مؤشر ستوكس 600 الأوروبي مستويات قياسية جديدة.
وعلى الرغم من قوة أداء المؤشرات، فإن الصورة بدت أكثر تبايناً على مستوى القطاعات. فعلى سبيل المثال، ظلت المراهنة على الذكاء الاصطناعي انتقائية إلى حد كبير. فقد قفز سهم بالانتير بعد تسجيل الشركة نتائج فصلية قوية جديدة، في حين تعرضت أسهم إيه إم دي وبعض الشركات العاملة في قطاع أشباه الموصلات والذاكرة لضغوط، مع استمرار المستثمرين في التشكيك في مستويات الإنفاق الرأسمالي المرتفعة التي تتوقعها الشركات، وكذلك في مدى سرعة تحول الإنفاق على الذكاء الاصطناعي إلى أرباح فعلية.
واختُتم الأسبوع بمفاجأة اقتصادية كلية أكبر بكثير. فقد انخفض عدد الوظائف الأمريكية خارج القطاع الزراعي في يوليو بمقدار 23 ألف وظيفة على نحو مفاجئ، في حين كانت التوقعات تشير إلى زيادة قدرها 83 ألف وظيفة، ما دفع متوسط الزيادة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة إلى 20 ألف وظيفة فقط.
وانخفض معدل البطالة إلى 4.1%، لكن ذلك يعود بدرجة كبيرة إلى تراجع معدل المشاركة في قوة العمل إلى 61.4%، وهو أدنى مستوى له منذ فبراير 2021. وفي أعقاب صدور البيانات مباشرة، وقبل إغلاق الأسواق لعطلة نهاية الأسبوع، أدّى التقرير إلى إرجاء توقعات المتعاملين بشأن رفع أسعار الفائدة المقبل من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. كما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين، وضعف الدولار الأمريكي.
وفي أسواق أخرى، سجل الذهب أسبوعاً قوياً من التعافي وقفز بنسبة 6.5%. كما ارتفع النفط بنسبة 3.2% مع استمرار ارتفاع المخاطر المرتبطة بإيران ومضيق هرمز، بينما صعد مؤشر نيكاي بنسبة 2.6% مع تراجع المخاوف من تدخل ياباني إضافي في سوق الصرف الأجنبي.
عودة الإقبال على الذهب
سجل الذهب أفضل أداء أسبوعي له منذ يناير، وكان العامل الأبرز وراء ذلك هو تحركات أسعار الفائدة الأمريكية. فعلى مدار الأسبوع، ولا سيما بعد صدور تقرير الوظائف يوم الجمعة، خفّض المتعاملون توقعاتهم بشأن رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة هذا العام.
وبما أن الذهب لا يدر عائداً من الفائدة، فإن انخفاض تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به مقارنة بالدولار الأمريكي دفع أسعاره إلى الارتفاع، وعزز بالتالي جاذبية هذا الأصل غير المدِر للعائد مقارنة بالأصول المنافسة.
كما أصبحت تدفقات الاستثمار أكثر دعماً للذهب. فقد أضافت صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب نحو 24 طناً منذ بلوغ حيازاتها أدنى مستوياتها في حوالي 20 يوليو، مسجلة أقوى موجة شراء لها منذ أبريل. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بعد عدة أشهر ظل فيها الطلب من البنوك المركزية داعماً للسوق، في حين غاب المشترون الآخرون بشكل ملحوظ.
وتشير حركة الأسعار إلى أن الارتفاع لم يكن مجرد تحوط جيوسياسي بسيط في مواجهة استمرار التوترات في منطقة الشرق الأوسط.
ومع اختتام الأسبوع بمزيد من المكاسب عقب صدور البيانات الأمريكية الضعيفة، من المرجح أن يراقب المتعاملون حركة الأسعار عن كثب يوم الاثنين لمعرفة ما إذا كان الزخم الصعودي سيستمر.
التضخم يحسم الجولة التالية
يعود التضخم الأمريكي إلى واجهة المشهد يوم الأربعاء، مع ترقب صدور مؤشر أسعار المستهلكين لشهر يوليو، والذي يُرجح أن يكون عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كان تقرير الوظائف الضعيف الصادر يوم الجمعة سيغير بالفعل آفاق السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
ومن المتوقع أن يتراجع التضخم العام قليلاً إلى 3.4% على أساس سنوي، مقارنة بـ3.5%، في حين يُتوقع أن يرتفع التضخم الأساسي، وفق مؤشر أسعار المستهلكين، بنحو 0.2% على أساس شهري، بعد استقراره دون تغيير في يونيو.
وعند العودة إلى تقرير يونيو، الذي جاء أضعف من المتوقع على نحو مفاجئ، نجد أن أداءه تأثر بدرجة كبيرة بانخفاض أسعار الطاقة بنسبة 5.7%، بما في ذلك تراجع أسعار البنزين بنسبة 9.7%. كما تباطأ التضخم الأساسي إلى 2.6% على أساس سنوي.
ولذلك، سيركز المتعاملون هذه المرة على مدى استمرار احتواء التضخم الأساسي في قطاع الخدمات وتكاليف السكن، مع تلاشي بعض التقلبات التي شهدتها أسعار الطاقة وانعكاساتها على البيانات.
وقد ارتفعت أهمية هذه البيانات بدرجة كبيرة بعد تقرير الوظائف الصادر يوم الجمعة. فإذا جاءت قراءة التضخم مطمئنة، فإنها ستعزز الرأي القائل إن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قادر على مواصلة التريث، وهو ما قد يدعم السندات والذهب والأسهم الحساسة لأسعار الفائدة، في الوقت الذي يضيف فيه مزيداً من الضغوط على الدولار الأمريكي.
أما إذا جاءت القراءة أعلى من المتوقع بفارق ملموس، فسيكون تأثيرها أكثر إرباكاً للأسواق. إذ ستجد السلطات النقدية نفسها أمام مزيج صعب يتمثل في ضعف سوق العمل من جهة، واستمرار التضخم المرتفع من جهة أخرى، وهو وضع من شأنه أن يضع صانعي السياسة أمام معادلة بالغة التعقيد.
اتساع الانقسامات داخل الاحتياطي الفيدرالي
من المخاطر الأخرى التي تستحق المتابعة هذا الأسبوع التصريحات الصادرة عن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، في ظل اتساع الخلاف بشأن السرعة التي ينبغي للبنك المركزي أن يتحرك بها في مواجهة تضخم لا يزال أعلى بكثير من المستوى المستهدف.
وبعد أن صوّت ثلاثة أعضاء في اجتماع يوليو ضد قرار الإبقاء على أسعار الفائدة، مؤيدين بدلاً منه رفعها بمقدار 25 نقطة أساس، أصبح عدد من زملائهم أكثر صراحة هذا الأسبوع في الدعوة إلى الاقتراب من هذا الموقف.
وقال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، جيف شْمِيد، إن إعادة التضخم إلى مستوى 2% ستتطلب «سياسة نقدية أكثر تشدداً». وحتى المسؤولون الذين أيدوا قرار الإبقاء على أسعار الفائدة في يوليو بدوا أكثر انزعاجاً من المسار الحالي.
وقالت محافظة الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك إن البنك المركزي لا يملك «ترف» الانتظار إلى أجل غير مسمى، وإنه مستعد لرفع أسعار الفائدة إذا لم يتراجع التضخم.
أما رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا، آنا بولسون، فأبقت الباب مفتوحاً أمام مختلف الاحتمالات، قائلة إن الخيار قد ينتهي إلى رفع أسعار الفائدة، أو ببساطة الإبقاء عليها عند مستوياتها الحالية لفترة أطول.
ومع ترقب صدور تصريحات لمسؤولين آخرين خلال هذا الأسبوع، فإن أي تصريحات غير مخطط لها في أعقاب صدور بيانات التضخم قد تؤثر بدورها في الأسواق، بينما يواصل المتعاملون البحث عن مؤشرات تساعدهم على تحديد مدى قرب رفع أسعار الفائدة.




